samedi 14 janvier 2012

واقع العمل الحقوقي سنة بعد الثورة في تونس

تحتفل تونس اليوم بمرور سنة على تحريرها من سلطان الطغيان وسط تغيّرات جذريّة على مختلف الأصعدة باعتبار المشهد الحقوقي الذي شهد هو الآخر تغيّرا مفصليّا .
 انّ للمطّلع على حال تونس سنوات الجمر أن يلحظ بسهولة كيف كانت الملاحقات البوليسيّة و المضايقات الخبز اليومي للحقوقيّين , وضع تعوّد عليه البعض و هانت تبعاته أمام عدالة القضيّة التي من أجلها يدافعون ... كما يمكن أيضا أن يلحظ أنّ أغلب العاملين في هذا الحقل كانوا سياسيّن ممّن اضطرّهم اعدام العمل السياسي خلال سنوات النّظام السّابق الى التّوجّه الى هذا المجال (حقوق الانسان) كمتنفّس لهم و كوسيلة للضّغط على السّلطة مستفيدين من حصانة هشّة تمنحها لهم كونيّة المجتمع المدني بصفة عامّة و النّضال الحقوقي بصفة خاصّة باعتبار أن سياط النّظام , و  ان كانت ممدودوة  لهم أغلب الوقت , كانت تُحرج أحيانا ببيانات صادرة عن منظّمات حقوقيّة عالميّة تشهّر فيها بسطوة نظام الحكم التّونسي و بشاعته , الشّيئ الذي جعل تونس طوال العشريّة الأخيرة خاصّة تحتلّ أسوء التّراتيب في سلّم 
 ديمقراطيّات العالم و حرّيّة الصّحافة .

بلا شكّ , كانت هناك مادّة حقوقيّة دسمة في ظلّ نظام احترف الاجرام و الالجام , لكن شدّة التّضييق الذي كان يُمارس كان سببا في الحدّ من الالمام بكل القضايا  و من معالجتها من طرف حقوقيّي تلك الحقبة و كان العمل في درجة كبيرة منه موجّه الى العمل السياسي لاحراج    السلطة  و هو مفهوم في ظل تقاطع المجالات. 



ساهمت طبيعة النّظام البوليسي آنذاك بصفة مباشرة في بلورة المشهد الحقوقي التّونسي : اضعاف للرّابطة التّونسيّة لحقوق الانسان بعد أن ركّز بن علي و ما جاوره من أعوانه الجهد لاختراق هذه المنظّمة العريقة و نجح في ذلك الى حدّ بعيد بأن حيّدها بل و ربّما أصبحت ذراعه الحقوقيّة التي تستر جرائمه و هو ما أدّى ببعض النّقّاد الى اطلاق صفة المهادنة عليها (الرّابطة) و ما اختلال الموازين بين حجم الانتهاكات المسجّلة و عدد البيانات الصّادرة عن هذه المنظّمة و نوعيّة هذه البيانات الخجولة غالبا الّا برهانا على ما ذًكر. من جهة أخرى تكوّنت منظّمة فتيّة تحمل اسم منظّمة حرّية و انصاف في أواخر 2006 , فلنقل سنة 2007 على يد الحقوقي التّونسي الشّهير الأستاذ محمّد النّوري لتضمّ تشكيلة منوّعة من ناشطين سياسيّن من كانت أحزابهم محظورة كحزب حركة النّهضة الاسلامي و حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة و آخرين ذي توجّه قومي محافظ و مستقلّين و ساهمت منذ نشأتها في اثراء المشهد الحقوقي الباهت في ظلّ التّضييقات . لا ننسى أيضا المجلس الوطني للحرّيات برئاسة النّاشطة الحقوقيّة سهام بن سدرين و الذي كان , بحكم توجّهه اليساري صوت الواقع الحقوقي التّونسي لدى الغرب بحكم العلاقات الوطيدة التي تربط النّاشطين الحقوقيين بالمجلس بحقوقيّن غربيّين و الجميع يعلم أنّ بن علي كان يعمل بكل ما أوتي من قوّة منذ انقلابه على بورقيبة سنة 1987 على تلميع صورته لدى الغرب فكان المجلس الوطني للحرّيات الشوكة التي تؤرق سلطانه . منظّمة أخرى كانت ناشطة بحكم اختصاصها في المساجين السّياسيّن و الذين كانوا بالآلاف في ظلّ نظام دكتاتوري يغتال الرّأي و الكلمة و هي جـمعيـة الـدفـاع عن الـمسـاجـيـن الـسيـاسيـيـن والتي كانت هي الأخرى نشطة جدّا و ساهمت في احراج السلطة عديد المرّات ...




رغم تعدّد الأسماء , الاّ أن العمل الحقوقي كان مكبّلا بطريقة قد تجعل من الانجازات التي حقّقها العاملين فيه انجازات ضخمة رغم كونها في الجانب العملي لم تحدث تغييرا جذريّا على مستوى واقع الحرّيات بتونس و ما عجزت عليه مكوّنات المجتمع المدني من جمعيّات و أحزاب (و هنا نذكر تحالف 18 أكتوبر) نجح فيه البوعزيزي و من بعده من انتفض معه في ثورة 17ديسمبر-14جانفي بأن قلب النّظام و جلب ريح الحرّية العطرة بعد ان امتلئت أزقّة البلاد بسموم الدّكتاتوريّة الكريهة.




هذا التّغيير لم يقتصر على النّظام فحسب بل طال أيضا المنظومة الحقوقيّة التي كانت و ستظلّ مرتبطة بالشّأن السياسي العام لأي ّ دولة... طال المنظومة الحقوقيّة في بعدين حسب اعتقادي :

الأوّل , و هو أحجام المنظّمات الحقوقيّة اذ شهدنا وفاة منظّمات بانتهاء سبب وجودها كجمعيّة الدّفاع عن المساجين السّياسيّن و ان كانت لازالت تحتفظ بتأشيرتها القانونيّة و وجودها الفيزيائي و شهدنا الولادة القانونيّة لمنظّمة حريّة و انصاف التي تحصّلت على تأشيرة بعد أن أمضت أكثر من ثلاث سنوات تنشط دون تأشيرة لتصبح حسب تقديري المنظّمة الحقوقيّة الأولى في تونس باعتبار كثافة نشاطها اثر الثّورة و مواكبتها لجلّ الانتهاكات و جسامة و حساسيّة الملفّات التي قامت بفتحها فيما يخصّ التّعذيب قبل و بعد الثّورة و خصوصا ملف العفو التّشريعي العام و تعويض المتضرّرين من النّظام السّابق ... كما شهدت السّاحة الحقوقيّة تراجعا لمنظّمات أخرى كالمجلس الوطني للحرّيات و التي و الحق يقال أصبحت المسؤولة الأولى عليه السيدة بن سدرين تتحرّك باسمها الذي أصبح أشهر من نار على علم اثر سنوات طويلة من العمل الحقوقي لكن في الفترة الرّاهنة يمرّ المجلس كنظيره الرّابطة التّونسيّة لحقوق الانسان بحالة سبات عميق و الأسباب عدّة و قد يكون أبزها تخلّي السياسيّن الذين كانوا ينشطون بالهيكلين عن مهمّتهم الحقوقيّة في ظل المتنفّس الدّيمقراطي الذي سمح بممارسة السياسة بكل حرّية و في الأخير لا ننسى نشوء منظّمات حقوقيّة جديدة ...


أمّا عن البعد الثّاني فيتمثّل في طريقة عمل المنظّمات و نوعيّة المواضيع المُثارة فبعد أن كان أقصى ما يمكن فعله هو اصدار بيان موجّه للنّخبة , أصبحت المنظّمات الحقوقيّة اليوم تتواصل مع كافّة شرائح المجتمع عبر النّدوات الصحفيّة و شبكات التّواصل الاجتماعي و أصبحت المنابر الاعلامية العمومية و الخاصّة من اذاعات و قنوات , تلفزيّة مفتوحة مفتوحة للنّاشطين الحقوقيّين , و بالنّسبة للمواضيع المطروحة فقد تواصلت في الفترة الانتقاليّة بعض الانتهاكات من طرف البوليس وتواصلت بعض المضايقات فيما يخص حق التّظاهر السلمي لكن تظلّ أكبر الملفّات المطروحة ملف التّعويض عمّن أذنبت الدّولة في حقهم عبر النّظام من طرد من العمل و من سجن دون وجه حق و من تشريد و تهجير و حتّى قتل.


أتت الثّورة التونسيّة على كافّة المجالات فغيّرت الصّور و أعادت التّركيب لكن السّؤال الذ يطرح : كيف سيكون دور المنظّمات الحقوقيّة في ظل دولة بوادرها ديمقراطيّة قد نتخلّص فيها من الانتهاكات الكلاسيكيّة و الملفّات التي اعتادت بها منظّمات حقوق الانسان بعالمنا العربي؟ أستكتفي بدور المراقب للسّلطة أم ستكون شريكا في البناء عبر المساهمة في اصلاح بعض مواطن الصّدأ في بعض الوزارات خاصّة الدّاخليّة؟ و ان صحّ ذلك ألن يقضي ذلك على استقلاليّة المنظومة الحقوقيّة بأن تُقحم في اطار قد يضعف موهبة الرّقابة لديها؟ لنذهب بعيدا .. ان تحقّق المنشود , 

هل سيكون للمنظّمات الحقوقيّة وجود فاعل و ذي معنى في ظلّ دولة قانون؟ 


هيثم سليماني

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire