samedi 26 mars 2011

أبي رجل أمن



غبت كثيرا عن مدوّنتي و ها أنّي أعود اليها و الشّوق تمكّن منّي فهي أنيستي و رفيقة دربي وهي من تناصرني مهما اشتدّ اعوجاجي...
حقيقة الرّغبة في الكتابة فترت و أراني ممّن ينتظرون المنطّقات (برفع الميم و كسر الطّاد) حتّى أهرول لحبيبتي التي تسمعني دون كلل أو ملل...مدوّنة الهائم 
كالعادة أطيل التّقديم هههه
حسنا ترى بماذ أبدأ ، ببسطة حول ما نطّقني أم ... موش مشكل كل الطّرق تؤدّي الى روما
كما عنونت المدوّنة ، ولدت لأجد أبي موظّفا بادارة الحرس الوطني ، يعني موظّفا بوزارة الدّاخليّة ، يعني رجل أمن...
صورة رجل الأمن هذا تغيّرت و حُوّرت ألوانها و تدرّجت معي مذ أن كنت ذلك الطّفل الحابي و اليكم فصول هذه العلاقة...

بداية لأنطلق منذ صيحتي الأولى وصولا الى أوّل أيّام الادراك، خلال هذه المرحلة بالطّبع لم أكن أدرك شيئا سوى أنّ الشّخص الموجود       في الصّورة هو الّذي يغيب طول اليوم و يأتي بعد زوال الشّمس لأعانقه و ليداعبني لا أعرف كيف تعلّمت أن أقول له (بــابا) ذلك الأسمر التي كانت متعتي الكبرى في حياتي أن يدخلني معه تحت البرنس أيّام الشّتاء و كان يحيطني بساقيه حتّى يكون صدره تلك 
الوسادة العجيبة التي ترغّبني في النّوم و ان كنت منه مترعا(النّوم)- هههه كم أحنّ الى تلك الأيّام 

لننطلق الآن الى مرحلة الادراك الأولى  و التي  تمتدّ من أوّل سنوات الادراك الى ما قبيل دخولي المدرسة ، خلال هذه الفترة ، رجل الأمن هذا شرع يعلّمني معنى الخطأ و معنى الصّواب ، كيف يجب عليّ أن ألقي التّحيّة و أفشي السّلام ، كيف أنّ اللّه لا يحبّ الكذب ، أذكر قليلا كيف كان يأخذني الى وسط المدينة على درّاجتنا النّاريّة الزّرقاء الهرمة ، و طلب منّي أن أشقّ أكثر الطّرقات زحمة  بعد أن علّمني قاعدة الطّريق النّظر يمينا ثمّ شمالا ثم الانطلاق، تفطّنت في تلك السّنوات أنّه صاحب السّلطة في المنزل و أنّ أغلب الحلّ و الرّبط بيده

بعد دخولي الى المدرسة،  فهمت أنّ أبي رجل أمن ، و كم كنت فخورا و قتها حتّى أني كنت عندما يسألني شخص عن هويّة والدي كنت أستبدل لقبه بصفة (الحرس) اذ كنت أشعر أنّها الأبلغ ههه كانت مخيّلتي الطّفوليّة تصوّر لي أبي في  صورة الوزير التي أراها في عمري   الحالي فمن يغضبني أتوعّده بأبي  و من أتخاصم معه أقسم له أنّي سآتي له بأبي (و كنت أنسى وعيدي و قسمي مع أوّل منعطف أسلكه ههه) هذه السّنوات اكتشفت فيها أيضا صورة الأب  المعلّم فقد كان رجل الأمن من النّوع البيتوتي ينهي ساعات عمله الاداريّة ليأتي رأسا الى المنزل ، يؤدّي ما عليه و نتناول العشاء و ينطلق معي في مراجعة الدّروس رغم يومه المتعب لفترة قد تتجاوز الثلاث ساعات  و كان يقول لي دوما علمك سلاحك ، لا أريدك أن تضطرّ الى ما اضطررت اليه (يقصد عمله) و قد عهدته على هذا الحال منذ أن كان عمري 3 سنوات الى أن أتممت تعليمي الأساسي  ،يراجع لي دروسي دون كلل أو ملل،  الشّيئ الذي جعلني أتقن برنامج السّنة 
الاولى و الثّانية بامتياز و أنا في سنّ الخامسة...

بتقدّم سنّي و مع دخولي الى المدرسة الاعداديّة بدأ النّضج يجد طريقه لذلك الطّل (الذي هو أنا)  و صورة رجل الأمن لاحظت فيها حب الجيران و تقديره له، فما من مرّة مرض و لم تغصّ الدّار بالزّائرين، لا حظت فيه أ يضا أنّه يذهب لعمله و يعود منه في زيّه المدني  عكس ما كنت أراه عند باقي رجال الأمن ، لا حظت فيه أيضا رباطة الجأش و قوّة الشّخصيّة ، رفضه للعوج  و جرأة اللّسان (و هو ماورثته على الأقلّ فيما يخصّ الدفاع عن وجهة نظري و استحالة المجاملة لأيّ طرف كان ... حتّى لأبي هههه)   و خاصّة  عطاءه اللّامحدود عندما تتعلّق الأمور بالدّراسة فرغم أنّه العائل الوحيد للعائلة لم أجده يوما رغم ضيق الحال أحيانا يرفض لي طلبا في ساعات التّدارك أو الكتب المدعّمة  ... من هذه النّاحية أشهد أنّه مثالي

مع اقترابي من سنّ الرّشد ، أصبحت مساحات الحوار بيننا تكبر و كنت أراه كيف كان يرجع للمنزل حاملا كرّاسه الذي فيه يدوّن كلّ ساعات عمل رجال الأمن في الفوج الذي كان هو رئيس ادارته، كان يدوّن ساعات عملهم بالسّاعة حتّى لا يظلم أحدا عندما يقوم باعداد جداول المهمّات ، كان أيضا له أرشيف من تمتّعوا بعطل حتّى تكون الموافقة على مطالب العطل عادلة، كان يروي لي مشاكله مع رؤسائه التي تحصل عندما يحاولون القيام بتجاوز خاصّة في تفضيل شخص على آخر في مسألة معيّنه امّا لقرابة دمويّة تجمع رئيس العمل  أو لمصلحة ما  و كيف تعرّض لعديد المرّات لمحاولة الرّشوة من طرف زملائه و كيف عالج هذ المحاولات... في هذه السّنّ أيضا لاحظت برّه الكبير لأمّه و سمعت ممّن عرفوه في سنوات شبابه كيف كان بارّا لأبيه في هذه المرحلة العمريّة أيضا أذكر أنّي سألته لماذا يرفض كلّ اقتراحات تسميته رئيسا لمركز  خارجي أو لمنطقة أمنيّة (اقترحوا عليه كثيرا و كان أصدقاءه يلومونه أمامي) فكان يجيب بأنّ مكانه الحاليّ كمنسّق لوجستيّ و رئيس ادارة و نظرا لما آلت اليه ادارة الأمن في تونس هو المكان الوحيد الذي منه يخدم وطنه  و يبعده عن ظلم النّاس  أشواطا...

مع دخولي للجامعة أصبحت العلاقة تميل أحيانا الى علاقة رجلين  ننسى أحيانا الصّلة التي تربطنا عندما كنّا نخوض ىفي مسألة ما ، كم كنت أعشق التّناقش معه رغم استحالة أن يقتنع أحدنا  بفكرة الآخر ههههه لكن كنت شرسا معه أحيانا ، في هذه المرحلة من عمري عرفت حكاية التّضييق عليه فيما يخصّ الصّلاة في الجامع و كيف كان مراقبا و أدّى اصراره الى حرمانه من ترقياته و كم يروق  له  هذا الحرمان و يتلذّذه و يراه نيشانا يوسّم صدره و أيضا بحكاية تحويله الى مجلس التّأديب تهمته جمع ما تيسّر من المال لزميل معهم أوقف عن العمل تهمته أنّه يقول لا اله الّى اللّه  و لفّقت له تهم من الحيط....

تطوّر هذه الصّورة معي كان بمثابة التّرس  الذي يحمي صورة الأب رجل الأمن ، اذ هناك مقاربة صعبة و هي أنّي ثوريّ الطّبع تحرّريّ النّهج أرفض القمع و الظّلم و الاستبداد و كنت كأيّ مواطن تونسي حرّ أثور ضدّ الظّلم  و كنت  تجدني في نفاشاتي معه أتهجّم على الأمن و تصرّفاته الوحشيّة(خاصّة بمواكبتي لأحداث الرديف)  و بعدها لأحداث ما فبل 14 جانفي ، كنت أقول ذلك و دون خجل لأنّي كنت أعلم أنّه بعيد ، نظرا لطبيعة عمله، من هذه الاعتداءات و أنّه من طينة رجال الأمن الذين واكبوا عصر رجل الأمن المحترم النّظيف، و أنّه في قناعاته يرى في اعتداء رجل الأمن على المواطن فضيحة كبرى و غلطة لا تغتفر.

رجل الأمن هذا في الأحداث الأخيرة عنّف عددا من زملائه (صغار السّن) و هم  بصدد الاعتداء على رجلين مسكا  و عندما أعطي سلاحه تحسّبا لأيّ هجوم من الثّائرين على ادارتهم نزع الرّصاص منه و وضعهم في ظرف و كما قال فعلت هذا  حتّى ان اضطررت لسحب السّلاح أجده فارغا و  أرضى أن أٌقتل (بضمّ الألف)  على أن أزهق روحا و ان كنت في حالة دفاع على النّفس..
رجل الأمن هذا يدخل هذه السّنة في عامه الحادي و الثّلاثين من الشّغل  في رصيده صفر يوم غياب غير مبرّر و صفر اعتداء على مواطن و لو بكلمة في غير محلّها
نعم أقولها أبي رجل أمن و لا أقولها فخرا بصفة الأمن و لكن أقولها فخرا بأبي و لأجله  ظلّ في حسباني أنّ السّلك الأمن و ان تعفّن فيه من يشرّف ، على الأقلّ ابي و ليس تملّقا و لكن لشيئ خبرته و سمعته من عند النّاس

 الآن أبوح بسرّ هذه التّدوينة و هي مقولة "رجال الأمن يستحيل أن تجد فيهم شخصا نظيفا و ..."  لصاحبها مواطن تونسي
 الحمد لله أن منحني أبا جعلني لا أتحرّج  من  أيّ شخص حين يفرغ ما بقلبه من ضغيتة مبرّرة من رجال الأمن لكن فقط القول بأنّ للأسماك لون واحد  هو قول أجزم يقينا أنّه خاطئ.
أكتب هذه التّدوينة و أحكي عنه و هو في نوم عميق يغطّ، أريد أن أقول لك سيّدي أنت شخص تستحقّ كل الاحترام ، فعلا هنيئا لي بك : الأب و الصّديق و المعلّم و الرّمز ، أطال اللّه في عمرك
لم أقلها يمكن لك مشافهة يوما لكن تدوينتي ستنقلها لك : أحبك أبي و فخور بك جدّا...



رافقكم هيثم سليماني
.

4 commentaires:

  1. صباح النور صديقي,
    نحترم رأيك, و نحترم كل اللي قلته, و عندي شكون في العائلة, مشابله لما قمت بذكره عن أباك, لكن تعرف المثل " الأرنب تكرّ على الحلوف"؟ تعرف شنوا يصير وقت تسمع شكون من الأمن يقلك " أنا كنت ندخل في مليون في الشهر, كيفاش تحبني نعيش ب500 دينار؟"أو تشوف عون ماشي للخدمة و هو مكسور, وقت يسأل علاش جاي يقلول " شكون ماش يعطيني المائة دينار اللي ندخلهم كل يوم؟" هنا يمشي فيها النظاف, يتحول كل حامل للزي لصورة طبق الأصل عن الفاسد اللي خذا الرشوة حتى و ان لم يلطخ يده بها في يوم من حياته, مع أحداث ثورة تونس, زادة القطيعة بين الامن و المواطن, خاصة مع الفضاعات اللتي تروى, و اللي توثق, و هنا من واجب رجال الأمن النظاف أنه يحسنو صورتهم, أول حاجة بالتخلص من الزملاء الفاسدين و الثانية, باعلان قطيعة مع الماضي


    دمت بودّ صديقي
    في أمان الله

    RépondreSupprimer
  2. En fait , c'est qu'ils essaient de faire mais pour être franc ils sont une minorité et ils sont attaqués par ceux qui restent en dehors de cette minorité , car cette dernière met en danger leurs profits , espérant que dans 100 années , on aura un système policier (MI en général) ou cette minorité devienne une majorité

    RépondreSupprimer
  3. rabi y5alihoulik ya haythem^^

    RépondreSupprimer