كنت قد قرّرت الاستقالة من الفايسبوك و الحمد لله أن استطعت تحوبل الساعات الطّوال الى دقائق قليلة و أن شفيت من هذا الادمان.
مادفعني الى بتر صومي هذا ما جدّ مؤخّرا في دوّار هيشر و ماتبعه من هالة اعلاميّة كبيرة ضبّبت الصّورة و جعلتها صعبة الادراك , و حتّى لا أكون مجبرا بعد بعض قولي على الاستدراك قرّرت التّريّث قليلا حتّى تتجلّى معالم الصّورة الحقيقيّة .. أو بعضها على الأقل لأنّي تعلّمت أن أتريّث قبل أن أعلّق على الأحداث .. اذ أدركت أنّ الحقيقة في تونس تُكشف على جرعات .. و أنّ جرعة اليوم الأوّل قد تناقض الصّورة التي تكوّنها جرعة اليوم الثّاني .. وهكذا ..
بداية , غلاة التّكفير أو كما يحلو للبعض أن يسمّيهم السلفيّة الجهاديّة , هم يكفرون بالدّولة و أنظمتها و بالقوانين الوضعيّة التي تحكمها , هذا التّيّار نفسه يشهد منذ أشهر مدّا و جزرا داخليّا , بين شيوخ "أصحاب علم" و فهم للواقع و يحسنون التّدبير أمثال خميس الماجري و الخطيب الادريسي و بين آخرين متنطّعين جاهلين بعلم الفكر نفسه الذي يتّبعون و جهلهم معلوم للعوامّ و الخواصّ , بين تيّار يحسب أنّ اللّحظة تستوجب دعوة سلميّة حذرة من الانزلاقات , و آخربن ذوي نزوات عنفيّة قابلة للتّحرّك دون سابق انذار و تتحرّك دون اخطار (الهمزة مكسورة) أو اخبار أو حساب للعواقب و الأخطار وباختصار عنتريّو الفكر و التّصرّف , مشكلتهم الأساسيّة تعدّد "المنارات" التي تفتي و تشرّع رغم قلّة عددهم , و طبيعة بعضهم التي تعتبر كلّ لحظة اعمال للعقل ارجاء و ادبار ... بعض جيوبهم عنيف بحق و قد لا أستغرب خبر قطع أصابع بائع خمر أو محاولة ذبح من قيل أنّه مغتصب (على الأقل الأخيرة كادت أن تحصل في حيّ التّضامن منذ شهر تقريبا) .. بل و كلّي يقين أنّ بعضهم يمتلك أسلحة هنا أو هناك , لا أنسب هذا لهم كلّهم فهم أنفسهم ملل و نحل , لكن كل ما أسلفت واقع وجب الاعتراف به بعبدا عن الشيطنة النّوفمبريّة و دون تجميل للقبيح ايضا.
أعود لما جدّ في أحداث دوّار هيشر و سأتناول الموضوع من زاويته الحقوقيّة على الأقل و هي الزّاوية التي تهمّني كانسان قبل كلّ شيء و كناشط حقوقيّ شاب يأمل أن تتشكّل السّاحة الحقوقيّة من جديد لتمسح ما شوّهه بعض حقوقيّي الأمس , الذين يكيلون بأكثر من مكيال , وفق سحب السّماء السياسيّة ... علّنا نعيد نحن الشّباب للنّشاط الحقوقيّ ثقة من عند النّاس الذين أصبحوا يرون في كلّ نزعة حقوقيّة , نيّة سياسيّة مبيّتة و توظيفا أحمق للحقائق ...
لن أتطرّق الى ما قبل اطلاق النّار , تتضارب الأقوال و تتعدّد الرّوايات , و كلاها يصدّق لكن ليس هذا موضوعنا ... أطلقت النّار فأردت مؤذّن الجامع قتيلا ... بالرّجوع الى الفيديو الذي بيّن جثّة الضّحية الرّصاصة كانت في الرّأس مباشرة ... القانون المنظّم لحالات استعمال القوّة للدّفاع عن النّفس تدرّج في جزئيه الأخيرين من اطلاق الرّصاص على السّاق , ثمّ في حال تواصل الخطر الدّاهم (و هنا لا أعلم كيف لصاحب ساق واحدة أن يمثّل تهديدا) عندها يتمّ اطلاق الرّصاص على الرّأس ... أي أنّه نظريّا كلّ جثّة تعرّضت للقتل من طرف أمني في حالة دفاع عن النّفس يجب أن تحتوي على الأقل رصاصتين , واحدة في السّاق , و أخرى قاتلة و هو ما لا يتوفّر في جثّة الحال ... ما يحيلنا الى اسستنتاجين الأوّل بريء و يقول بأنّ عون الأمن امّا لا بحسن استعمال سلاحه أو أساء تطبيق القانون و في الحالتين وجب أن بدفع الجزاء بعد التّحقيق معه ... أمّا الاستنتاج الثّاني الذي يستنجد بخطيئة محاسبة النّوايا فيقول بأنّ القتل كان غاية لا نتيجة .. فرضيّة أخرى تستوجب فتح تحقيق على الأقل.
الأحداث أسفرت عن وفاة شخص ثان بالأمس , و بالرّجوع الى الجثّة نجد أنّ الرّصاصات تموقعت في ظهر الضّحيّة , مع التّركيز على كونها رصاصات و ليست رصاصة واحدة , وجودها على الظّهر يدلّ على أنّ الضّحيّة كان في حالة ادبار لا في حالة اقبال , و لا أعلم صراحة حسب ما دًرّست في مدرسة الهندسة أيّ قاعدة فيزيائيّة يمكن أن تفسّر كيف يمكن لشخص في حالة ادبار أن يمثّل خطرا على العون الذي أطلق النّار ... أضيف الزّرقة الشديدة بالعضد التي تأتي تصديقا لشهادة شهود العيان الذين قالوا بأنّ الجثّة تعرّضت للرّكل بعد اطلاق النّار عليها ... تحقيق آخر يجب أن بفتح و لا نحتاج لذكاء خارق لنستنتج أنّ موتهما كان على الأقل قابلا للتّفادي , بغضّ النّظر عم مخالفتهم للقانون.
يبدو أنّ السّيّد وزبر الدّاخليّة قد تسرّع في الذّود عن أعوانه و الدّفاع عنهم بل و شكرهم على التّصدّي النّاجع لهؤلاء المارقين عن القانون دون الخوض في التّفاصيل الدّقيقة التي قد تحوّل وجهة قصّة ما من مستقبل أسطورة و بطولة الى واقع أكذوبة و جرم ... كنّا نأمل أن ينتظر تقرير الطّبيب الشّرعي و أن ينتظر نتائج التّحقيق الدّاخلي الذي ستفتحه الدّاخليّة مع مُطلق النّار بحسب أعراف الوزارة ... حتّى يكون حكمه حكما عادلا مبني على وقائع لا على انطباعات ... مهاجمة مركز سيادة يعدّ جرما حتما يستوجب العقاب لكن أيضا الافراط أو الاساءة في استعمال القوّة من الطّرف الوحيد المخوّل له أن يستعمل القوّة يعدّ هو الآخر جرما يستوجب العقاب بحسب المواثيق الدّوليّة و معاهدات حقوق الانسان.
بعبدا عن الضّوضاء , كانت هذه كلمة حقّ وجب قولها , و آمل ألّا يكون قلمي قد خانني في ايصال وجهة نظر ترى في الانسان أساسا لكلّ عمران , مهما كان لونه أو صفته أو فكره , وجهة نظر تجرّدت قدر الامكان صوابا يحتمل الخطأ ... و خطأ يستوجب على الأقل فتح تحقيق للقطع مع الهذيان ان كان هذيانا ...
هيثم سليماني
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire