mardi 18 septembre 2012

هل يضحّي نداء تونس بالباجي؟

صخب كريه و فسيفساء مشوّهة ... ذلك حال السّاحة السّياسيّة اليوم في تونس ... استقطاب ثنائي تجمّعي-اسلاميّ عتيق متواصل و شطحات اعلاميّة من هنا و هناك ...

في خضم كلّ هذا يطلّ علينا السيّد الازهر العكرمي ليلقي قنبلة صوتيّة مفادها أنّه تمّ اخطارهم (جوقة نداء تونس) بأنّ هنالك عمليّة تحاك هدفها العجوز الباجي القائد السبسي و عنوانها اغتيال سياسي..يطلّ كعادة سياسيّينا دون حجّة و دون أسماء ليساهم في سمفونيّة اللّغو الوطني المشترك.
ستختلف القراءات لهذا الحدث.. البعض سيراه حقيقة و سترتجف فرائصه امّا خوفا على سي الباجي (بالنّسبة لانصار النّداء) و امّا خوفا على تونس من منحى دمويّ محتمل .. البعض الآخر سيندّد و سيعتبره تصرّفا لا مسؤول ..

تعوّدت أن أتريّث قبل أن أعلّق على الأحداث .. فقد تعلّمت أنّ الحقيقة في تونس تُكشف على جرعات .. و أنّ جرعة اليوم الأوّل قد تناقض الصّورة التي تكوّنها جرعة اليوم الثّاني .. وهكذا .. الّا أنّي اليوم قرّرت الانخراط في "الأكشنة" التي أعطى لها المخضرم العكرمي شارة البداية ..

منذ أن تمّ الاعلان عن المبادرة التي جُعل الباجي القائد السبسي أيقونة لها , ركّز المشرفون الحقيقيّون عليها على منشطين اثنين : ضمّ نخبة لها وزنها اعلاميّا تتمتّع بالفصاحة و بالحضور الرّكحي السياسي و شنّ حملة دعائيّة اعلاميّة واسعة النّطاق في وسائل الاعلام الرسميّة و غير الرّسميّة مركّزين على الوتر النّفسي لاقناع شريحة هامّة من السّوق الانتخابيّة بأنّنا ازاء مارد سياسيّ وُلد ضخما و قادرا على الهيمنة مستغلّين هذا كغطاء للضّعف الهيكلي للحزب الذي لم يقدر حتّى على انشاء فروع ببعض المناطق لرفض متساكنيها.

نجاحهم من عدمه ليس موضوعنا الآن , ولكن ما أريد الوصول اليه انّ مشرفي حزب النّداء واعون أشدّ الوعي أنّه لمجابهة ضعفهم الهيكلي فانّ الحلّ الوقتيّ على الأقل من اللحظة التي نعيش الى حين المعترك الانتخابي القادم يكمن في قرع الطّبول و اكثار الجلبة حتّى تعظم الأحجام في عقول النّاس و هو ما قد يغيّر من سلوكهم الانتخابي , حسب اعتقادهم طبعا, و بالتّالي فانّ صنع الحدث يصبح ضرورة ملحّة لانجاح هذه الاستراتيجيا و هو ما جنحوا اليه و نجحوا فيه الى حدّ ما عبر تصاريحهم الاعلاميّة مستغلّين قدرة بعضهم على خلق المُستهلك الاعلامي ,في ذات السّياق قد يندرج تصريح العكرمي , الذي قال بالحرف بأنّ هنالك طرفا من الحكومة متورّط في خطّة لاغتيال الباجي.

المقصود طبع هو طرف من حركة النّهضة , فهو أكثر الأطراف نظريّا قلقا من هذه المبادرة لكن و للمتابع للخطّ السياسي لاسلاميّي تونس سيلحظ انّه يصعب ان توجد نقاط التقاء بينهم و بين هذا التمشّي المفيوزي فلا أدبيّاتهم تتبنّى "العنف الثّوري" اليساري الاقصائي(الذي انخرط فيه أيّام الجامعة أغلب وجوه الصفّ الأوّل في حركة نداء تونس ضدّ الاسلاميّين) و لا موقفهم كحزب حاكم ,مُراقب من العالم أجمع كامتحان مصيريّ للفوز برضاء الغرب و القبول بالاسلام السياسي كمدرسة سياسيّة مدنيّة خالية ممّا زيّنتها بها استخبارات هذه الدّول , سيمنحهم الوقت أو حتّى الرّغبة في الجنوح الى هذا التّمشّي الانتحاري : الخلاصة ما قاله العكرمي أقرب الى الخيال منه الى الخيال (تعمّدت الاعادة و ليس خطأ في الرّقن).

تصريح اعلاميّ لا يكلّف الكثير و يجلب أكثر ممّا يأخذ .. مزيد من الضّوضاء حول حزب نداء تونس ..ضربة استباقيّة استعدادا لقانون اقصاء التّجمّعيّين المُزمع سنّه .. كسب المزيد من الدّعم الخارجي .. كلّ هذا وارد.

ماسبق من الكلمات اعتمد فرضيّة أنّ تصريح العكرمي مُجرّد لغو اعلامي .. لكن ماذا لو كان هنالك فعلا مخطّط لاغتيال الباجي؟
السّؤال الذي ينبغي ان يُطرح اذن هو عن ماهية الأطراف التي تخطّط فعلا لهذا ...

بعيدا عن المزايدات السّياسيّة , ما أبقته لي السّنون من غرامات الذّكاء المتواضعة تجعلني أضحك ساخرا من فرضيّة أن يكون هنالك أطراف من حركة النّهضة متورّطين في هذا , فأوّل من سيُحاسب الحساب العسير سواء كانوا هم أم غيرهم من يرومون هذا الاغتيال سيكون بلا ريب الحزب الحاكم ..

من جهة أخرى العكرمي ليس بالمراهق سياسيّا هو و من معه و المتتبّع لتاريخهم يعرف جيّدا أنّهم براغماتيّون الى أقصى حدّ , وأنّهم يتبنّون تعريف "لعبة المصالح" للفظ السّياسة , و أنّهم و خطّ سياسة الأخلاق خطّان متوازيان لا يلتقيان ... أتراهم فعلا يستعدّون للتّضحية بالسّبسي ... حركة انتحاريّة صحيح لكن يعلمون أنّها قد تأتي لهم بالكثير .

خبر التخطيط لاغتيال العجوز الهرم قد يكون صحيحا لكن الأهم هو في الجهة التي تخطّط لذلك ... بالنّظر الى خليط الانتهازيّين البراغماتيّين المحيطين بالسبسي لا أستبعد أن يضحّوا به لضرب عصفورين بحجر واحد: كسب التعاطف في المعترك الانتخابي و ضرب حركة النّهضة , و تصريحات قيادات نداء تونس بدأت في التّحضير حسب رأيي لهذا السيناريو.

أغلبنا ما يزال حديث العهد بالسّياسة في تونس , و لعبة الاغتيالات السياسيّة ماتزال غريبة عنّا نوعا ما , لكن قد يكون لتلاميذ السّفارات الاجنبيّة و خرّيجي فريدوم هاوس و ما دار في فلكها قول آخر ... أستبعد أن يكون العكرمي أدلى بتصريح كهذا مجّانا .. الكواليس تبقى كواليسا مهما حملنا خيالنا بعيدا .. و قد نصيب و قد لا نصيب .. لكن الأهم فليترفّع سياسيّينا عن التّصريحات التي قد توصل واقعنا السياسي الى مستنقع اللاعودة.

في الأخير, أتوجّه الى الباجي قائد السبسي بنصيحة أن يستعدّ جيّدا , مهما كان الطّرف الذي يُخطّط لاغتياله , من تحدّث عنهم العكرمي , العكرمي نفسه أو عزرائيل بدون تخطيط , فليستعد و ليتب عمّا أتى بعمرة أو بحجّة .. من يدري قد يغفر له الله ما لن يغفره له التّاريخ :)

هيثم سليماني